الشيخ محمد هادي معرفة

395

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وهو : أن يأخذ المتكلّم في معنى من المعاني ، فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره ، بلطف ورفق ، وكأنّما الأوّل مدرج إليه أو سبب من الأسباب المؤاتية له . وبذلك يكون الكلام كلّه آخذا بعضه برقاب بعض ، وكأنّما افرغ إفراغة واحدة . الأمر الذي يدلّ على حذق المتكلّم وقوّة تصرّفه في مجاري الألفاظ والمعاني . فتراه ينتقل من موضوع إلى موضوع آخر من غير أن يقطع كلامه أو يستأنف كلاما جديدا . على عكس « الاقتضاب » الذي هو القطع والاستئناف ، وقد كان مذهب العرب الأوائل ومن يليهم من المخضرمين . فخالفهم القرآن وأتى بطريقة جديدة في الانتقال من غير قطع ولا استئناف . وهي طريقة بديعة تأخذ بمشاعر السامع في شتّى المذاهب من غير أن يشعر بالتصرّف والانتقال ، في رفق ولين وسحر بيان . قال ابن معصوم : وهو الركن الثاني من الأركان الأربعة للبلاغة الفائقة ، والتي نبّه مشايخ البديع على وجوب التأنق فيها . وهو عبارة عن أن ينتقل المتكلّم ممّا ابتدأ به من فنون الكلام إلى ذات المقصود على وجه سهل ، برابطة ملائمة ، وجهة جامعة مقبولة ، يختلس به نحو المطلوب اختلاسا رشيقا ، بحيث لايتفطّن السامع للانتقال من المعنى الأول إلّا وقد رسخت ألفاظ المعنى الثاني في سمعه ، وقرّ معناه في قلبه لشدّة الالتئام والوئام بينهما . « 1 » وقال ابن أبيالإصبع : وهي في الكتاب العزيز معرفة الوصل من الفصل ، وقد ذهب بعض المتكلّمين إلى أنّها أحد وجوه الإعجاز . وهو دقيق يكاد يخفى في غير الشعر إلّا على الحاذق من ذوي النقد وهومبثوث في الكتاب العزيز إذا تُتُبِّع وُجد . كابتداء آيات قد يجدها البادي في النظر غير متناسبة لما قبلها من فواصل وآيات . لكن لا يكاد يعرف التناسب بينها إلّا من كانت له دُربة بهذه الصناعة ، وبُعد إمعان نظر وتدقيق فكر . « 2 »

--> ( 1 ) - أنوار الربيع ، ج 3 ، ص 240 . ( 2 ) - بديع القرآن ، ص 167 - 168 .